القرطبي
188
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ( 36 ) قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربى إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ( 37 ) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ( 38 ) قوله تعالى : ( ودخل معه السجن فتيان ) " فتيان " تثنية فتى ، وهو من ذوات الياء ، وقولهم : الفتو شاذ ( 1 ) . قال وهب وغيره : حمل يوسف إلى السجن مقيدا على حمار ، وطيف به " هذا جزاء من يعصي سيدته " وهو يقول : هذا أيسر من مقطعات ( 2 ) النيران ، وسرابيل القطران ، وشراب الحميم ، وأكل الزقوم . فلما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوما قد انقطع رجاؤهم ، واشتد بلاؤهم ، فجعل يقول لهم : اصبروا وأبشروا تؤجروا ، فقالوا له : يا فتى ! ما أحسن حديثك ! لقد بورك لنا في جوارك ، من أنت يا فتى ؟ قال : أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ، ابن ذبيح ( 3 ) الله إسحاق ، ابن خليل الله إبراهيم . وقال ابن عباس : لما قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني ، وأنا أريد أن تسجنه ، فسجنه في السجن ، فكان يعزي فيه الحزين ، ويعود فيه المريض ، ويداوي فيه الجريح ، ويصلي الليل كله ، ويبكي حتى تبكي معه جدر البيوت وسقفها والأبواب ، وطهر به السجن ، واستأنس به أهل السجن ، فكان إذا خرج الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن
--> ( 1 ) في ع وك وى : الفتو شاذة . ( 2 ) مقطعات النيران : هي على نحو قوله تعالى : " قطعت لهم ثياب من نار " أي خيطت وسويت وجعلت لبوسا لهم . ( 3 ) هذا دليل الوضع لأن الذبيح قطعا إسماعيل عليه السلام . ( 4 ) في ع : يحبس .